السيد محمد باقر الصدر

316

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الإنسان هي الحرّية الطبيعيّة ، لا الاجتماعيّة التي تُمنح وتُسلب تبعاً للمذهب الاجتماعي السائد . وقد يقال : إنّ الحرّية بمدلولها الاجتماعي تعبّر عن نزعة أصيلة في نفس الإنسان ، وحاجة من حاجاته الجوهريّة . فالإنسان بوصفه يتمتّع بالحرّية الطبيعيّة يميل ذاتيّاً إلى أن يكون حرّاً من ناحية المجتمع الذي يعيش ضمنه في سلوكه وعلاقاته مع الآخرين ، كما كان حرّاً من الناحية الطبيعيّة . ومن وظيفة المذهب الاجتماعي أن يعترف بالنزعات والميول الأصيلة في الإنسان ويضمن إشباعها ؛ لكي يصبح مذهباً واقعيّاً ينسجم مع الطبيعة الإنسانيّة التي يعالجها ويشرّع لها ، فلا يمكن لمذهب إذن أن يكبت في الإنسان نزعته الأصيلة إلى الحرّية . وهذا صحيح إلى حدٍّ ما . ولكنّنا نقول من الناحية الأخرى : إنّ من وظيفة المذهب الاجتماعي الذي يريد أن يُرسي بنيانه على قواعد مَكينة من النفس البشريّة أن يعترف بمختلف النزعات الأصيلة في الإنسان وبحاجاته الجوهريّة المتنوّعة ، ويسعى إلى التوفيق والملائمة بينها . وليس من المستساغ لكي يكون المذهب واقعيّاً وإنسانيّاً أن يعترف بإحدى تلك النزعات الأصيلة ويضمن إشباعها إلى أقصى حدّ على حساب النزعات الأخرى . فالحرّية مثلًا وإن كانت نزعة أصيلة في الإنسان لأنّه يرفض بطبعه القسر والضغط والإكراه ولكنّ لهذا الإنسان حاجاتٍ جوهريّةً وميولًا أصيلة أخرى ، فهو بحاجة ماسّة - مثلًا - إلى شيء من السكينة والاطمئنان في حياته ؛ لأنّ القلق يرعبه كما ينغّصه الضغط والإكراه ، فإذا فقد كلّ الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤدّيها له في حياته ومعيشته خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهريّة ، وحُرم من إشباع ميله الأصيل إلى الاستقرار والثقة . كما أنّه إذا خسر حرّيته تماماً وقام جهازٌ اجتماعي يملي عليه إرادته